فصل: مسألة العبد يعتق وله جارية فيتبعه ماله والجارية حامل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يختار واحدا من العبيد في العتق:

قلت: فلو أن رجلا قال وهو مريض وسمى ثلاثة رجال غيب: أول من يقدم منهم فهو وصي فقدموا كلهم فقال ينبغي للسلطان أن يختار واحدا عدلا.
قال محمد بن رشد: هذا على قياس قوله الذي رجع إليه في المسألة التي قبلها إنه يختار واحدا من العبيد في العتق.
ويأتي على قياس القول بأنهم يعتقون كلهم أنهم يكونون أوصياء كلهم، ولا يبعد أن يقرع بينهم إذا استوت أحوالهم ولم يظهر أن بعضهم أولى بالإيصاء من بعض، على قياس القول بالقرعة بين العبيد في العتق، وبالله التوفيق.

.مسألة قول لغلامه إن جئتني بدينار كل شهر حتى أموت فأنت حر:

قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول لغلامه إن جئتني بدينار كل شهر حتى أموت فأنت حر، قال: أراه حرا في الثلث.
قلت له: أفله أن يبيعه؟ قال: ما أحب ذلك، وإن رهقه دين؟
قال محمد بن رشد: قوله أراه حرا في الثلث معناه إن جاءه بالدينار كل شهر حتى يموت، لأنه إنما جعل له العتق بعد موته على هذا الشرط، واستحب أن لا يبيعه إلا أن يرهقه دين من ناحية الوفاء بالعهد إذ لم ير ذلك واجبا عليه كالتدبير من أجل الشرط الذي شهد عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول لجاريته إذا حملت فأنت حرة:

وسئل ابن القاسم عن الذي يقول لجاريته إذا حملت فأنت حرة، قال: إن كانت حاملا فهي حرة، وإن لم يتبين أوقفت وحيل بينه وبينها وأوقف خراجها، فإن تبين حملها عتقت وكان كل ما أوقف من خراجها لها وإن حاضت ولم تكن حبلى فإن شاء أن يبيعها باعها.
قال محمد بن رشد: أوجب ابن القاسم في هذه الرواية على القائل لجاريته إذا حملت فأنت حرة الحنث إن كانت حاملا يوم قال لها ذلك، والوجه في ذلك أنها حامل أبدا فيما تبقى من حملها، كالذي يحلف أن لا يسكن الدار وهو ساكن فيها أنه يحنث في التمادي في السكنى، فقال: إنها تعتق إن كانت يومئذ حاملا، ويوقف خراجها إن لم يتبين حملها، فإن تبين حملها أعتقت ودفع إليها ما وقف من خراجها، وإن حاضت فتبين أنه ليس لها حمل باعها إن شاء، فإن لم يبعها ووطئها وقف خراجها أيضا لاحتمال أن تكون قد حملت من هذا الوطء، فإن حاضت أخذ خراجها، وكذلك يفعل، يوقف خراجها كلما وطئها فإن حاضت أخذ كلما وقف من خراجها، وإن لم تحض وتبين بها حمل أعتقت ودفع إليها ما وقف من خراجها، وهو مذهبه في المدونة، وخلاف قول سحنون فيما حكى عنه ابن عبدوس من أن من قال لزوجته وهي حامل: إذا حملت فأنت طالق، إنها لا تطلق بهذا الحمل إلا بحمل يؤتنف، وقد مضى من قول ابن القاسم في رسم أسلم من سماع عيسى ما ظاهره مثل قول سحنون، والكلام عليه هنالك مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يقطع يد غلامه فيموت السيد ولم يحكم عليه فيه:

قال ابن القاسم في الذي يقطع يد غلامه فيموت السيد ولم يحكم عليه فيه: إنه لا يعتق على ورثته، وإن رفع أمره إلى السلطان قبل أن يموت السيد عتق عليه إلا أن يكون على السيد دين يحيط بماله.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يمثل بعبده فلا يعتق عليه حتى يموت السيد لا يعتق على ورثته، هو مثل ما تقدم في رسم يشتري الدور والمزارع، ولا اختلاف فيه على المشهور من أنه لا يكون حرا بنفس المثلة، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم الكبش من سماع يحيى.
وأما إن رفع أمره إلى السلطان قبل أن يموت السيد فقوله إنه يعتق عليه إلا أن يكون على السيد دين يحيط بماله بين إن كان ذلك في مرضه إذ لا يعتق عليه في المرض بالمثلة إلا من ثلثه، وأما إن كان ذلك في صحته فالقياس أن يحاص الغرماء بقيمته إن كانت المثلة عليه قبل ديونهم فيعتق منه بقدر ذلك، لأن ذلك حق قد وجب له قبل ديونهم، وكذلك إن كانت المثلة عليه بعد ديونهم إذا لم يتهم على أنه إنما مثل به ليعتق عليه فيكون له ولاؤه ولا يأخذه الغرماء وقد مضى ما بين هذا في رسم الكبش من سماع يحيى، وبالله التوفيق.

.مسألة يكون للرجل وللعبد مال فيقول له السيد أنت حر ولي نصف مالك:

وسألت أشهب: عن العبد يكون للرجل وللعبد مال فيقول له السيد أنت حر ولي نصف مالك، أو يقول له نصفك حر ولي نصف مالك، فإن العتق جائز وله ما اشترط من المال، لأنه كان يجوز أخذه، قيل لأشهب: فإن كان عبدا بين ابنين أعتق أحدهما نصيبه وهو موسر، واشترط ماله فإن العتق جائز ويقوم عليه وليس له في المال شيء؛ لأنه لم يكن له أخذ شيء منه.
قلت لأشهب: فإن أعتق مصيبته منه واشترط نصف ماله؟
قال: عتقه جائز وليس له من المال شيء.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله، لأن العبد إذا كان جميعه له فله أن يستثني ماله أجمع أو ما شاء منه إذا أعتقه أو أعتق شقصا منه، لأن له أن ينزعه منه كله أو ما شاء منه دون أن يعتقه، فإن كان إنما أعتق منه بعضه فيعتق عليه جميعه ويكون له ما استثنى من ماله.
وأما إذا كان العبد بينه وبين آخر فلا يجوز له إذا أعتق نصيبه منه أن يستثني ماله ولا شيئا منه موسرا كان يقوم عليه أو معسرا لا يقوم عليه لعسره، إذ ليس لأحد الشريكين أن يأخذ في العبد من ماله شيئا دون إذن شريكه، ويقوم عليه إن كان موسرا ويكون المال للعبد، وإن كان معدما بقي نصفه رقيقا، وأقر جميع مال العبد بيده.
ولو أعتق أحد الشريكين في العبد حظه منه على أن يكون له ماله كله أو بقدر حصته منه بإذن شريكه لجاز ذلك موسرا كان أو معسرا، فإن كان موسرا قوم عليه وكان له ما استثنى من ماله أو جميعه إن كان استثنى جميعه وإن كان معسرا بقي نصفه رقيقا وأقر ما بقي من ماله إن كان المعتق لنصيبه لم يستثن جميعه، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول لجاريته إن جئتني بمائة دينار إلى سنة فأنت حرة فتلد قبل السنة:

وسئل ابن القاسم: عن الرجل يقول لجاريته: إن جئتني بمائة دينار إلى سنة فأنت حرة فتلد قبل السنة وتأتي بالمائة، هل يعتق ولدها؟
قال: لا يعتق ولدها، وكذلك قال مالك، وليس له أن يبيعها حتى تنقضي السنة وتؤجل فلا تأتي بشيء، وكذلك إذا أعتقها في وصية وهي حامل بعد موته فولدت قبل موت السيد، قال مالك: لا يعتق ولدها ورواها يحيى من كتاب الصبرة وزاد فيها.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الولد لا يعتق بعتقها خلاف نص قوله في المدونة، فعلى هذه الرواية في أن ولدها لا يدخل معها لا يلزم ورثته ذلك بعد موته، وعلى ما في المدونة من أن ولدها يدخلون معها يلزم ورثته ذلك بعد موته، فقوله في هذه الرواية خلاف ما تقدم في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وخلاف ما يأتي في سماع عبد الملك من أن ذلك يلزمهم، وقد مضى في رسم الصبرة من سماع يحيى تحصيل القول في هذه المسألة والكلام عليها مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة المجوسي إذا أسلم ولده قبل أن يقسم ماله:

قال: وسئل ابن القاسم: عن المجوسي إذا أسلم ولده قبل أن يقسم ماله أو النصراني فيموت فلا يقسم ماله حتى أسلم ولده أو بعضهم كيف يقتسمون؟ أقسم الإسلام أو الشرك؟
قال: قسم الشرك، وإنما ذلك في المجوس الذين ليسوا بأهل ذمة، فإن أسلم أولاد أولئك قبل أن يقتسموا الميراث قسم على قسم الشرك، ثم قال: ألا ترى إلى الحديث «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»؟ إنما ذلك في المجوس من أهل الذمة.
قال محمد بن رشد: قوله: وإنما ذلك في المجوس- إشارة منه إلى الحديث الذي جاء «أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام»، يقول: إنما الحديث في المجوس الذين لا ذمة لهم هم الذين تقسم مواريثهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، وأما المجوس الذين لهم ذمة فتقسم مواريثهم وإن أسلموا قبل قسمتها على دينهم كاليهود والنصارى من أهل الذمة، وذلك خلاف مذهبه في المدونة في أن الحديث إنما هو في المجوس كانت لهم ذمة أو لم تكن، تقسم مواريثهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، وروى أشهب عن مالك وهو قول ابن نافع وغيره من كبار أهل المذهب أن الحديث على عمومه في المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، كانت لهم ذمة أو لم تكن، تقسم مواريث جميعهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، قيل إذا أسلموا كلهم، وأما إن أسلم بعضهم فيقسم بينهم على قسم دينهم، وقد وقف مالك في رواية أشهب عنه إذا أسلم بعضهم فقال لا أدري، وقيل: سواء أسلموا كلهم أو بعضهم يقسم بينهم على قسم الإسلام، وهو قول عمر بن عبد العزيز في المدونة على ما جاء عنه من أن ناسا مسلمين ونصارى جاءوه من أهل الشام في ميراث بينهم فقسم بينهم على فرائض الإسلام.
ولكلا القولين وجه، فوجه القول الأول: أن حق من لم يسلم منهم لا ينتقل بإسلام من أسلم منهم، ووجه القول الثاني: اتباع ظاهر قوله في الحديث أدركها الإسلام إذ لم يفرق فيه بين أن يسلموا كلهم أو بعضهم، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال، تتفرع إلى ستة على ما بيناه، وبالله التوفيق.

.مسألة وصية من أنفذت مقاتله:

وسئل ابن القاسم: عن الذي يشق جوفه أو أمعاؤه أو يذبح فهو فيما هو فيه حتى يموت بعض ولده أتورثه؟ قال: نعم، إلا المذبوح فإنه لا يورث، وأما الذي يشق جوفه فعمر بن الخطاب في ذلك حجة.
قلت: فإن قتله رجل في تلك الحال، أيقتل به؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: أما المذبوح فلا اختلاف في أنه لا يورث ممن مات ولا يقتل من أجهز عليه، وأما الذي تنفذ مقاتله ففرق في هذه الرواية بين توريثه ممن مات والقصاص ممن قتله، وقد قيل إنه يقتل به من قتله وهو قول ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه في كتاب الديات، والقياس أن لا يفرق بين القصاص والميراث فيورث ممن مات على قياس رواية أبي زيد، ولا يورث ممن مات على قياس قوله في هذه الرواية إنه لا يقتل به من قتله، وهو قول أشهب إنه لا يقتل به إلا الأول، فهي قولان وتفرقة، ويدخل هذا الاختلاف أيضا في البهيمة تنفذ مقاتلها وحياتها باقية هل تصح تذكيتها أم لا؟ والمنصوص أن التذكية فيها لا تصح وهو الأظهر، ولا اختلاف في إجازة وصية من أنفذت مقاتله لما ثبت من فعل عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بحضرة جماعة الصحابة، وبالله التوفيق.

.مسألة أعتق ابن أمته من رجل عربي هل يثبت له ولاؤه:

وسئل ابن كنانة: عن رجل أعتق ابن أمته من رجل عربي، هل يثبت له ولاؤه؟ فقال: لا، ولكن يصير إلى نسب أبيه وعشيرته، ولا يرثه الذي أعتقه، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن كنانة هذا أن من أعتق ابن أمته من رجل عربي لا يكون له ولاؤه ولا يرثه هو ولا أحد ممن يرث الولاء عنه من قرابته، ويكون ميراثه إن مات ولا وارث له يعرف قعدده من أبيه لجماعة المسلمين، وهو ظاهر ما وقع في كتاب العيوب من المدونة في الذي ابتاع أمة فإذا نسبها من العرب فأراد أن يردها من أجل أن العرب يجرون ولاءها، ولا يكون ولاؤها لولده، ولذلك قال يحيى بن عمر، واحتج بمسألة مالك في المدونة، وإلى هذا ذهب ابن أبي زيد أيضا، لأني رأيت له قد قال في قول ابن كنانة هذا في العربي خاصة، وقد قال بعض الأندلسيين فيما حكى عنه عبد الحق: جميع أصحاب مالك يجمعون أن الولاء لمن أعتق ما لم يكن المعتق من العرب فلا يكون لمن أعتقه ولاؤه إلا أشهب، فقال: ولاؤه لمن أعتقه، وقول أشهب هو الصحيح الذي لا يصح القول بخلافه، لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الولاء لمن أعتق» ولم يفرق بين عجمي ولا عربي، ويحتمل أن يتأول قول ابن كنانة فيرد بالتأويل إلى قول أشهب، لأن الولاء لا يورث به إلا بعد انقطاع النسب فيكون معنى قوله إن الولاء لا يورث به في العربي إلا بعد انقطاع النسب فيكون معنى قوله إن الولاء لا يورث به في العربي إلا بعد انقطاع النسب، وكذلك مسألة المدونة هي محتملة مثل هذا التأويل، وبالله التوفيق.

.مسألة اجتمعوا أو اختلفوا على عتق واحد:

من سماع محمد بن خالد من عبد الرحمن بن القاسم قال محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن الذي يقول عبدي حر إن فعلت كذا وكذا وله أعبد فيحنث فيما حلف فيه، فيقال له: من أردت من رقيقك؟ فيقول: ما أردت عبدا بعينه فيحلف على ذلك، ثم يقال له أعتق من شئت من رقيقك فيموت من قبل أن يفعل. قال ابن القاسم: أرى أن يكون لورثته مثل ما كان له، ويعتقون من أحبوا، هذا أحب القول إلي في ذلك.
قال سحنون: بلغني عن مالك أنه قال: يعتق ثلثهم بالسهام إن كانوا ثلاثة، وإن كانوا أربعة عتق ربعهم على هذا الحساب، وأنا آخذ بقول ابن القاسم إذا اجتمعوا على عتق واحد، وإن اختلفوا أخذت بقول مالك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم باع شاة من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة العبد إذا أعتق عبدا له بغير إذن سيده:

قال: وسألت ابن القاسم على المولى عليه يحلف بيمين وهو مولى عليه فلا يحنث فيها وهي عتاقة حتى يبلغ حال الرضا فيحنث بها، أيلزمه اليمين؟ قال: لا، وهو قول مالك.
قلت لابن القاسم: فالنصراني والصبي والعبد كذلك؟ قال: نعم إلا أن العبد أشدهم، وذلك أن العبد إذا أعتق عبدا له بغير إذن سيده فلم يعلم بعتقه حتى عتق هو، مضى عتق العبد عليه وكان ولاؤه له، قال ابن القاسم: والمولى عليه إن كان قد أعتق عبدا له بغير علم وليه فلم يعلم بذلك الولي حتى ولي المولى عليه ماله فإنه يرجع في عبده إن شاء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم العتق من سماع أشهب فلا معنى لإعادته.

.مسألة المولى عليه يستلحق أخا له أيلزمه في ماله:

قلت لابن القاسم: فالمولى عليه يستلحق أخا له، أيلزمه في ماله كما يلزم غيره؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن نسبه لا يلحق بأبيه باستلحاقه إياه، فإنما هو مقر له بمال، وإقراره لا يجوز، وبالله التوفيق.

.مسألة العبد يعتق وله جارية فيتبعه ماله والجارية حامل:

قال: وسألته: عن العبد يعتق وله جارية فيتبعه ماله والجارية حامل، فقال مالك: الولد للسيد.
قلت لابن القاسم: فإن العبد بعد أن أعتق وتبعه ماله أعتق الجارية وهي حامل؟ فقال ابن القاسم: لا يتم عتقها حتى تضع ما في بطنها.
قلت لابن القاسم: هل تباع عليه في الدين بعد أن أعتق إذا كان عتقه إياها في الحين الذي أعتق فيه جائز، فقال: لا، وإنما ذلك بمنزلة الرجل يعتق عبده إلى أجل ثم يقوم عليه الغرماء بعد ذلك، فلا يباع لهم في دينهم إذا كان يوم أعتقه جائز القضاء.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يعتق ولد أمة حامل إن الولد للسيد هو مثل ما في كتاب طلاق السنة من المدونة، وإنما قال ذلك؛ لأن ولد العبد من أمته بمنزلته، فوجب أن يكون ما في بطنها رقيقا لسيده وإن تبعته الجارية في الحرية؛ لأنها ماله، ولا تكون له بهذا الحمل أم ولد، كما لا تكون له أم ولد بما ولدته له في حال العبودية إلا أن يملك ذلك الحمل، فتكون به أم ولد على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؛ لأنه عتق عليه بملكه إياه، ولا تكون له أم ولد على مذهب أشهب ورواية ابن عبد الحكم عن مالك؛ لأن الرق قد مسه في بطن أمه وأما ما ولدته في حال العبودية فلا تكون له به أم ولد باتفاق في المذهب خلافا لأهل العراق.
واختلف قول مالك فيما ولدته أمة المدبر أو المكاتب في حال التدبير أو الكتابة، هل تكون به أم ولد أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: الفرق بين المدبر والمكاتب.
وأما قوله إن عتقها لا يتم إن أعتقها حتى تضع ما في بطنها فمثله في المدونة، والوجه في ذلك أنه لا يصح أن تكون حرة وما في بطنها رقيق للسيد، فوجب أن يوقف حتى تضع، وتكون أحكامها أحكام أمة حتى تضع كالمعتقة إلى أجل، واختلف إن أخلفها الحمل أو ماتت قبل أن تضع، فقيل: إن أحكامها أحكام حرة من يوم أعتقها العبد المعتق، وهو قول سحنون على القول بأنه لا يحكم للحمل حتى يوضع في غير ما وجه من اللعان والنفقة ووجوب الحرية للأمة يتوقف عنها سيدها وهي حامل إذ قد قيل إنه لا يلاعن على الحمل حتى يوضع، ولا يحكم بالنفقة للحامل المطلقة المبتوتة حتى يوضع الحمل، ولا تجب الخدمة للأمة يتوفى عنها سيدها وهى حامل حتى تضع لاحتمال أن ينفش الحمل في ذلك كله، والمشهور أنه يحكم للحمل بظهوره في هذا كله، فعلى هذا تكون أحكام هذه الأمة أحكام أمة على كل حال كالمعتقة إلى أجل وإن أخلفها الحمل أو مات قبل أن تضع.
وقوله إنها لا تباع في الدين بعد أن أعتق إذا كان عتقه إياها في الحين الذي أعتق فيه جائزا يريد إذا لم يكن عليه دين يوم أعتق صحيح؛ لأنه إن كان عليه دين يوم أعتق فلابد من أن تباع فيه، إذ لا يجوز عتق المديان إلا أنها لا تباع حتى تضع ما في بطنها فيأخذ السيد الولد على ما قاله في المعتق إلى أجل، سواء أنه إن كان يوم أعتقه جائز القضاء، يريد لا دين عليه لم يعتق، وإن كان عليه دين يوم أعتق بيع، وبالله التوفيق.

.مسألة يترك أولادا ولدوا في إسلامه وأولادا في نصرانيته:

قال محمد بن خالد: قال ابن القاسم في الرجل يتوفى ويترك أولادا ولدوا في إسلامه وأولادا صغارا ولدوا في نصرانيته: إن ماله يوقف حين يبلغ ولده النصارى، فإن أسلموا ورثوا، وإن لم يسلموا كان الميراث للمسلمين من وُلده.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية خلاف نص قوله في النكاح الثالث من المدونة، أن النصراني إذا أسلم وله ولد صغار بنو خمس سنين أو ست أو نحو ذلك مما لم يعقلوا دينهم النصرانية فهم مسلمون ولهم الميراث. قال سحنون: وكذلك يقول أكثر الرواة إنهم مسلمون بإسلام أبيهم، وقد حكى ابن حبيب عن ابن القاسم أن من أبى الإسلام من الصغار يوم أسلم أبوهم يجبرون على الإسلام بالضرب والسجن، ولا يبلغ بهم القتل بعد البلوغ، وهو مثل ظاهر قوله في هذه الرواية، ومثل ما حكى في المدونة من أنه كتب إلى مالك من بلد آخر وهو قاعد عنده في رجل أسلم وله ولد صغار فأقرهم أبوهم حتى بلغوا اثني عشر سنة أو شبه ذلك فأبوا أن يسلموا، أترى أن يجبروا على الإسلام، فكتب إليهم مالك أن لا يجبرهم، والمشهور عن مالك المنصوص عليه في المدونة وغيرها أنهم مسلمون بإسلام أبيهم إذا كانوا صغارا لم يعقلوا دينهم يوم أسلم، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون، وقالا: إنه قول مالك وجميع أصحابه بالمدينة، وهو أصح القولين، يشهد بصحته ظاهر قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه» ولنا في التكلم على هذا الحديث مسألة مستغرقة لجميع معانيها في الوقوف عليها بيان صحة الاستدلال به على صحة هذا القول.
والأم في هذا بخلاف الأب، وقد حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون أنهما قالا له وقد روى وجاءت به الآثار: أن إسلام الأم إسلام للولد الصغار.
فيتحمل في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: أن الولد الصغار مسلمون بإسلام من أسلم من الأبوين، والثاني: أنهم لا يكونون مسلمين بإسلام من أسلم منهما، والثالث: أنهم يكونون مسلمين بإسلام الأب منهما دون الأم، ويحتمل أن يريد ابن القاسم بالولد الصغار في هذه الرواية الذين لم يبلغوا الحلم وقد عقلوا دينهم، فيكون قوله فيها على هذا التأويل مثل قوله وروايته عن مالك في المدونة في الذي أسلم وله بنون حزاورة، أن المال يوقف إلى أن يبلغوا الحلم، فإن أسلموا ورثوه، وإن لم يسلموا لم يكن لهم فيه حق، ولا اختلاف بينهم إذا كانوا حزاورة قد عقلوا دينهم يوم أسلم أبوهم لا يكون إسلامهم في إسلامه، وإذا لم يكن إسلامهم في إسلامه فالصحيح ما ذهب إليه ابن الماجشون وحكاه عن مالك مطرف وابن الماجشون وجماعة أصحابهم بالمدينة، من أنه لا ميراث لهم، وإن قالوا نحن على الإسلام، لأنهم كمن دخل الإسلام بعد موت أبيه، واختلف إذا أسلموا قبل البلوغ وهم حزاورة قبل أبيهم أو دونه هل يعد إسلامهم قبل البلوغ إسلاما يقتلوا عليه إن رجعوا عنه بعد البلوغ وثبت لهم به جميع أحكام الإسلام أم لا؟ فذهب سحنون إلى أنه لا يعد إسلامهم قبل البلوغ إسلاما يقتلون عليه ولا يتوارثون به ولا توطأ به الأمة المجوسية، وهو ظاهر ما في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، لأنه قال فيه إنهم يجبرون على الإسلام، ولم يقل إنهم يقتلون عليه، وفي كتاب النكاح الثالث منها دليل على أنهم يقتلون إن رجعوا عن الإسلام بعد البلوغ إلا أنه قال في المسألة إنه لا يفرق بينه وبين امرأته المجوسية بهذا الإسلام، إلا أن يثبت عليه حتى يبلغ، فهو يضعف الدليل على قتله إن رجع بعد البلوغ، ومن قوله في المدونة أنه يطأ به الأمة المجوسية، فهو اضطراب من قوله فيها، والأصح أنه إسلام يحكم له بحكمه في جميع الأشياء ويقتل عليه إن رجع عنه بعد البلوغ بدليل إجماعهم على أنه يصلي عليه بهذا الإسلام ويباع به العبد على سيده. قال سحنون وتقع به الفرقة بين الزوجين إذا كانت هي التي أسلمت، كما يباع به العبد على سيده، بخلاف إذا كان هو الذي أسلم وزوجته مجوسية، واعترض ابن عبدوس ذلك من قوله، فقال: كيف تقع الفرقة بإسلامها ولا تقع بإسلامه في صغرهما، وكذلك قال أبو إسحاق التونسي: ليس بينهما فرق، وما الفرق بينهما إلا بين، وهذا أن للإسلام حرمة وإن كان قبل البلوغ فعليه إذا أسلمت ضرر في البقاء في عصمته كافر ولا ضرر عليه هو إذا أسلم في البقاء على عصمة كافرة، وكذلك يقول سحنون: إن الارتداد قبل البلوغ لا يعتبر به يرث ويورث بوراثة الإسلام، كما لا يعتبر إسلامه عنده قبل البلوغ ويورث بوراثة الكفر وبالله التوفيق.

.مسألة قال لغلامه متى ما جئتني بمائة دينار فأنت حر فأراد بيعه:

من سماع عبد الملك وسؤاله ابن القاسم قال عبد الملك بن الحسن: وسئل ابن القاسم وأنا أسمع عن رجل قال لغلامه: متى ما جئتني بمائة دينار فأنت حر، فأراد بيعه قال: فليس ذلك له حتى يرفع أمره إلى السلطان فيلوم له أو يعجزه فيصير رقيقا له، فقال له: فإن مات السيد قبل أن يأتي العبد بالمائة التي جعل له على نفسه هل يلزم ورثته ما كان يلزم أباهم أو يكون رقيقا لهم؟ فقال: بل يلزمهم مثل ذلك حتى يرفعوا أمرهم إلى السلطان فيتلوم له أو يعجزه، والورثة في هذا بمنزلة أبيهم.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية إن ذلك يلزم ورثة السيد كما يلزم السيد خلاف ما تقدم من قوله في رسم الصبرة من سماع يحيى في أن الولد لا يدخلون مع الأمة في ذلك إن كاتب الأمة لأنه إن حكم لهذا القول بحكم الكتابة لزم ذلك الورثة ودخل في ذلك الولد وهو مذهبه في هذه الرواية، وإن لم يحكم له بحكم الكتابة لم يلزم ذلك الورثة ولا دخل فيه الولد، وقد مضى القول على ذلك مستوفى في رسم الصبرة المذكور من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة ليس للرجل أن يرجع فيما دبر:

وسئل وأنا أسمع عن رجل كان له مدبر فحضره الموت فقال: أقرعوا بين فلان وفلان، يريد المدبر وآخر من عبيده، قال: يقرع بينهما كما قال، فإن وقع على المدبر لم يكن للآخر عتق، وإن لم يقع على المدبر ووقع على الآخر فحملهما جميعا الثلث عتقا جميعا، وإن لم يحملهما الثلث بدئ بالمدبر ثم عتق من الآخر الذي وقع عليه السهم ما بقي من الثلث، وأخبرني محمد بن خالد عن عبد الملك بن عبد العزيز مثله سواء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ ليس للرجل أن يرجع فيما دبر، فإن وقع السهم على المدبر خرج الآخر عن الوصية، وإن وقع على الآخر بدئ المدبر في الثلث، ثم أعتق هو في بقية الثلث أو ما حمل باقي الثلث منه، فإن لم يكن في الثلث فضل عن قيمة المدبر لم يكن للآخر عتق ولا احتيج في ذلك إلى قرعة، والمسألة متكررة في أول رسم من سماع أصبغ من كتاب الوصايا، وقد مضى في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى من هذا الكتاب إذا قال أعتقوا أحدهما ولم يقل أقرعوا بينهما، وأن الحكم في ذلك أن يقرع بينهما على نصف قيمتهما حسبما مضى بيانه، فلا معنى لإعادته.